أحمد بن محمود السيواسي
158
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أدرك وعلم يقينا ( عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) باللّه وأرادوا قتله ( قالَ مَنْ أَنْصارِي ) أي من أعواني ( إِلَى اللَّهِ ) أي مع اللّه ، وهو جمع نصير ( قالَ الْحَوارِيُّونَ ) أي أصفياء عيسى ، سموا بذلك لتقاء قلوبهم أو الراجعون إلى اللّه ، من حار يحور إذا رجع أو القصارون من التحوير ، وهو التبييض ( نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ) أي أعوان دينه ، قيل : مر بهم عيسى وهم يغسلون الثياب وكانوا قصارين ، فقال لهم « 1 » : ألا أدلكم بقصارة أنفع من هذا ، قالوا : نعم ، قال : طهروا أنفسكم من الذنوب فبايعوه « 2 » ، وقال ( آمَنَّا بِاللَّهِ ) أي صدقنا بتوحيده ( وَاشْهَدْ ) يا عيسى ( بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ 52 ] أي داخلون في الإسلام بالإخلاص ، وإنما قالوا ذلك تأكيدا لإيمانهم ، لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 53 إلى 54 ] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) ثم زادوا في التأكيد بقولهم ( رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ ) من الإنجيل على عيسى ( وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ) أي عيسى على دينه ( فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) [ 53 ] للّه بالوحدانية أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم ، ثم أخبر اللّه عن كفار قومه الذين أحس منهم الكفر ، فقال ( وَمَكَرُوا ) أي أرادوا قتله ( وَمَكَرَ اللَّهُ ) أي جازاهم على مكرهم ( وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) [ 54 ] أو أقويهم مكرا « 3 » وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعرون . روي : « أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى فهرب منهم فدخل البيت فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء ، فقال ملكهم لرجل خبيث اسمه يهوذا : ادخل عليه فاقتله ، فدخل ولم يجده ، فألقى اللّه عليه شبه عيسى « 4 » ، فلما خرج ليخبرهم رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه ، ثم اختلفوا فيه « 5 » ، فقال بعضهم : وجهه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا ، فليس هو بعيسى فقتل بعضهم بعضا لذلك » « 6 » ، وعيسى يطير مع الملائكة في السماء لابسا النور يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 55 ] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) قوله « 7 » ( إِذْ قالَ اللَّهُ ) أي اذكر وقت قول اللّه ( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) أي منيمك « 8 » أو قابضك من الأرض أو إني مستوفي أجلك ولا أدع أن يقتلوك ، يعني أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته في الدنيا ( وَرافِعُكَ إِلَيَّ ) أي إلى السماء ( وَمُطَهِّرُكَ ) أي مبعدك ومنجوك « 9 » ( مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ، قيل : سينزل عيسى من السماء على عهد الدجال ليقتله ويتزوج بعد قتله امرأة من العرب وتلد له « 10 » ابنة فتموت ابنته ثم يموت هو بعد ما يعيش سنين كثيرة ، لأنه سأل ربه أن يجعله من هذه الأمة فاستجاب اللّه دعاءه « 11 » ( وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ) في دينك الإسلام ( فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بك وبدينك ، أي يعلونهم بالحجة وبالسيف ( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « الذين اتبعوه هم أمة محمد عليه السّلام ، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع » « 12 » ( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) أي إلى رجوع الذين اتبعوك والذين كفروا بك ( فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ) أي بين المؤمنين والكافرين في الآخرة ( فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) [ 55 ] من الذين في الدنيا .
--> ( 1 ) لهم ، ب م : - س . ( 2 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 271 . ( 3 ) مكرا ، ب م : - س . ( 4 ) شبه عيسى ، ب م : شبهه ، س . ( 5 ) فيه ، ب م : - س . ( 6 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 271 ؛ والبغوي ، 1 / 475 ، 476 . ( 7 ) قوله ، ب س : - م . ( 8 ) أي منيمك ، ب م : أي مميتك ، س . ( 9 ) ومنجوك ، س م : ومنجيك ، ب . ( 10 ) له ، ب س : منه ، م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 272 . ( 11 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 272 . ( 12 ) انظر السمرقندي ، 1 / 272 ؛ والبغوي ، 1 / 477 ، 478 ؛ والكشاف ، 1 / 177 .